مجمع البحوث الاسلامية
327
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
مّا كاف في الجامعيّة كما ظنّ . وبهذا يظهر الجواب عمّا اعترض به على هذه الرّواية من أنّ الكلام عليها لا يلائم ما قبله ولا ما بعده ، لأنّ ملاءمته لما بعده قد عرفت وجهها ، وأمّا ملاءمته لما قبله فغير لازمة ؛ إذ لم يعطف عليه . وربّما يقال في وجه ذكر نفي الحرج عن أهل العذر بترك الجهاد وما يشبهه ممّا رخّص لهم فيه أثناء بيان الاستئذان ونحوه : إنّ نفي الحرج عنهم بذلك مستلزم عدم وجوب الاستئذان منه صلّى اللّه عليه وسلّم لترك ذلك ، فلهم القعود عن الجهاد ونحوه من غير استئذان ولا إذن ، كما أنّ للمماليك والصّبيان الدّخول في البيوت - في غير العورات الثّلاث - من غير استئذان ولا إذن من أهل البيت ، ومثل هذا يكفي وجها في توسيط جملة أثناء جمل ظاهرة التّناسب ، ويرد عليه شيء عسى أن يدفع بالتّأمّل . وإنّما لم يذكر « الحرج » في قوله تعالى : وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ بأن يقال : ولا على أنفسكم حرج اكتفاء بذكره فيما مرّ والأواخر محلّ الحذف ، ولم يكتف بحرج واحد بأن يقال : ليس على الأعمى والأعرج والمريض وأنفسكم حرج أن تأكلوا دفعا لتوهّم خلاف المراد . وقيل : حذف الحرج آخرا للإشارة إلى مغايرته للمذكور ، ولا تقدح في دلالته عليه ، لا سيّما إذا قلنا : إنّ الدّالّ غير منحصر فيه ، وهو كما ترى . ( 18 : 218 ) مكارم الشّيرازيّ : تحدّثت الآيات السّابقة عن الاستئذان في أوقات معيّنة ، أو بشكل عامّ حين الدّخول إلى المنزل الخاصّ بالأب والأمّ . أمّا الآية هذه فإنّها استثناء لهذا الحكم ؛ حيث يجوز للبعض وبشروط معيّنة ، الدّخول إلى منازل الأقرباء وأمثالهم ، وحتّى أنّه يجوز لهم الأكل فيها دون استئذان ؛ حيث تقول هذه الآية أوّلا : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ لأنّ أهل المدينة كانوا كما ورد بصراحة في بعض الأحاديث وقبل قبولهم الإسلام ، يمنعون الأعمى والأعرج والمريض من المشاركة في مائدتهم ، ويحتقرون هذا العمل . وعلى عكس ذلك كانت مجموعة منهم بعد إسلامها ، تفرد لمثل هؤلاء موائد خاصّة ، ليس لا حتقارهم المشاركة معهم على مائدة واحدة . وإنّما لأسباب إنسانيّة ، فالأعمى قد لا يرى الغذاء الجيّد في المائدة ، وهم يرونه ، وقد يأكلونه ، وهذا خلاف الخلق السّليم ، وكذلك الأمر بالنّسبة للأعرج والمريض ؛ حيث يحتمل تأخّرهما عن الغذاء ، وتقدّم السّالمين عليهما ، ولهذا كلّه لم يشاركوهم الغذاء على مائدة واحدة . ولهذا كان الأعمى والأعرج والمريض يسحب نفسه حتّى لا يزعج الآخرين بشيء ، ويعتبر الواحد منهم نفسه مذنبا إن شارك السّالمين غذاءهم في مائدة واحدة . وقد استفسر من الرّسول صلّى اللّه عليه وآله عن هذا الموضع ، فنزلت الآية السّابقة الّتي نصّت على عدم وجود مانع من مشاركة الأعمى والأعرج والمريض للصّحيح غذاءه على مائدة واحدة . وقد فسّر آخرون هذه العبارة باستثناء هذه الفئات الثّلاث من حكم الجهاد ، أو أنّ القصد أنّه مسموح لكم استصحاب العاجزين معكم إلى الأحد عشر بيتا الّتي أشارت إليها الآية في آخرها ، ليشاركوكم في غذائكم .